Home سير ذاتية التاريخ كثيرًا ما يُعِيد نفسه

التاريخ كثيرًا ما يُعِيد نفسه

15

(1)

عقلي – الواعي فيما أظن – ربط ومازال يُكوِن روابط وجسور بين عصور وشخصيات مرت على تاريخ مصر الطويل خلال آلاف السنين والأحداث التي – ربما – نحسبها متباعدة عن بعضها البعض لأبعد مدى، لكن ما شغل عقلي في الآونة الأخيرة هو الرابط الذي لا أدرك – حتى الآن – من أين جاءني بين شخصية الفرعون المصري أُمنحُتب الرابع”1353 ق.م – 1336 ق.م” والذي لقب نفسه لاحقاً بـ إخناتون أو “الروح الحية لآتون” ، وبين الرئيس المصري الثالث “في النظام الجمهوري المصري الحديث” أنور السادات “1970م – 1981م”, والذَين أزعُم أنهما متشابهان في عديد من السمات والظروف والأحداث، محاولة اخناتون الهروب من شخصية وقوة وسيطرة والده أمنحتب الثالث، بل وكفره بآمون وباقي آلهة مصر القديمة في ذلك الحين، واختراعه المذهل – في ذلك الوقت – الإله “آتون” الذي يعتبره المؤرخون إحدى أولى محاولات التوحيد في التاريخ البشري المكتوب. الأمر الذي أودى به لصراع دامي مع كهنة آمون “وكل المستفيدين من بقاء عبادة آمون” مما أدى في النهاية إلى اتخاذه قراراً بالتخلي عن عاصمة أجداده “طيبة” والهرب بعيداً إلى الشمال لبناء عاصمة جديدة أطلق عليها إسم “أخيتاتون” والتي ما تزال آثارها باقية إلى الآن في “تل العمارنة” بالمنيا، وقد انتهت حياته بشكل غامض ودرامي للغاية”من المرجح اغتياله أو انتحاره” وترك وريثه الوحيد “توت عنخ آتون” الذي عاد مجدداً لحظيرة الإله الأكبر آمون رضوخاً للضغوط أو لأنه – وهو الأرجح – كان طفلاً لا يحكم بل يحكمون بإسمه بعمر  التسعة أعوام، وصار “توت عنخ أمون” الذي لم يستمر كذلك في الحكم كثيراً كما هو متوقع، وسيطر على الحكم قائد جيش إخناتون وأهم جنرالاته والذي صار – وقتها – الملك “حور محب” في بداية لسلسلة من حكم جنرالات الجيش الفرعوني لمصر، ومن اللافت للنظر هنا تأريخ حور محب لفترة حكمه من تاريخ وفاة إخناتون!

(2)

بينما أنور السادات وصل للحكم بعد رحيل صاحب الشخصية والكاريزما الذي رثاه حتى من سجنهم وغيبهم في معتقلاته “أحمد فؤاد نجم على سبيل المثال لا الحصر” جمال عبد الناصر، وقد حاول السادات على مدار سنوات حكمه التي ناهزت عشر سنوات أن يتخلص من شبح عبد الناصر ومن الاشتراكية ومن التحالف مع المعسكر الشرقي “الاتحاد السوفيتي” وكانت رغبته القوية في نقل مصر للنقيض على المستويين السياسي والاقتصادي “الرأسمالية والتحالف مع المعسكر الغربي”، وقد نجح في وقت قياسي جداً في الانفراد بالسلطة بعدما ظن من يظنون أنفسهم “ورثة عبد الناصر” أنهم يسيطرون على مقاليد الحكم وأن السادات مجرد “أراجوز” أو “عروسة ماريونيت” يتحكمون بها بشكل كامل من خلف الكواليس، لكن السادات نجح في التخلص منهم في غضون أقل من ثمانية أشهر من وصوله لسُدة الحكم، وقد نجح في ذلك بسبب ذكائه – ربما – أو بسبب غبائهم الشديد – وهذا ما أظنه – وأصبح تاريخ 15 مايو 1971 هو ما أطلق عليه السادات “ثورة التصحيح” والتغلب على “مراكز القوى” والانتصار للشعب المصري عليهم وبداية “انفتاح” مصر على العالم، بينما لا يحتاج المرء لكثير من الجهد أو الذكاء لكي يدرك أنه لو حدث العكس لربما تغير تاريخ مصر لكن المؤكد هو أن المهزومون في تلك المعركة كانوا سيختارون إسماً آخر لو حققوا الانتصار، على سبيل المثال “فشل الانقلاب على ثورة يوليو”.

(3)

ومن المفارقات أيضاً بين الرجلين هو بعدهما لفترات كبيرة عن التوقعات لوراثة من خلفوهم لاحقاً، إخناتون كان الابن الأصغر لأمنحتب الرابع ولم يصبح وريثاً للعرش إلا بعد وفاة أخيه الأكبر تحتمس الذي كان الوريث المباشر للمملكة المصرية في ذلك الوقت، وكذلك أنور السادات الذي لم يصل لكرسي نائب الرئيس إلا بعد وفاة  أو انهيار”رجال عبد الناصر الأقوياء” الذي كان أهمهم عبد الحكيم عامر وصلاح سالم وزكريا محيي الدين وحتى حسين الشافعي، ومن اللافت للتأمل هو اختيار ناصر للسادات نائباً له قبل أقل من عام على وفاته في خريف عام 1970م.

وبالنظر إلى طريقة نهاية حياة كلاهما – إخناتون والسادات – نجد التشابهات والمفارقات تستمر وتتجدد بل وتزداد، طريقة وفاة الفرعون العظيم مازالت غامضة إلى الآن لكن المرجح هو اغتيال الرجل وإنهاء حياته قسراً ومن الأدلة على ذلك طمس كل ما يتعلق به من جداريات المعابد وغيرها وكذلك ما قام به حور محب عندما أرخ لعهده من تاريخ وفاة إخناتون – وليس وريثه الذي حكم من خلفه توت عنخ آمون – مما يثير عديد الشكوك، بينما الكل يعرف كيف انتهت قصة السادات باغتياله على الملأ من قبل ضباط ومجندين محسوبين على التيار الإسلامي كانوا يخدمون في الجيش المصري، في حدث يُعد من أكبر حوادث الدراما في تاريخ مصر في القرن العشرين ومن أكثرها تأثيراً.

(4)

هل الرجلان متشابهين بما فيه الكفاية؟ حقيقةً لا أدري، لكن  – وبغض النظر عن وجود تشابهات أو مفارقات بين رجلين عاشا على نفس الأرض ودانت لهما أحوال البلاد والعباد بفارق زمني يزيد عن 3300 عام – مقولة “التاريخ يكتبه المنتصرون” هي الأوقع والأصدق عندما تجد أن الفارق البسيط بين الرجلين “اخناتون والسادات” هو الفارق بين النصر والهزيمة، الفرعون إخناتون قد هُزِم “أمام مراكز قوى الأسرة 18 وكهنة آمون وقادة الجيش” وقد محى هؤلاء جُل آثار وجوده من التاريخ المصري لأنه ببساطة هُزِم، لكن السادات انتصر وصارت محاولته الناجحة “ثورة للتصحيح” وليست “محاولة الانقلاب على مبادئ ثورة يوليو” إن كان قُدِر للسادات الهزيمة على أيدي أعدائه من “مراكز القوى”.